دار البِرّ بالبراعم البريئة

دار البِرّ بالبراعم البريئة

مثّلَ الأول من شهر آذار عام 1997 نقطةَ تحوُّل في حياة مجموعةٍ من الأطفال الأيتام في الأردن، ممن ضاقت عليهم الدنيا بما رحُبت وسُدَّت في وجوههم السُّبل.

فقبل ذلك بأيام، تناهى إلى علْمِ جلالة الحسين أن مجموعة من” أحباب الله” الذين يقيمون في مؤسسة الحسين الاجتماعية، يعانون واقعاً مزْرياً في ظروفٍ غير ملائمة للعيش. فقام جلالته فوراً بزيارة المؤسسة، هو الذي عُرف عنه حرصُه على الالتقاءِ بالمواطنين مباشرةً في مواقعهم، والاستماعِ إليهم يبثّونه مشاكلهم وهمومهم، وتفقُّدِ أحوالهم وأوضاعهم المعيشية.

عايَنَ الحسينُ بحسّ الملك الإنسان والأب العطوف، واقعَ المؤسسة، واطّلع على حقيقةِ الخدمات فيها. وفي تلك الليلة لم يغمض لجلالته جفنٌ وهو يستذكر فصولَ هذه المأساة الإنسانية، والتي راعَه أن تحدثَ في الأردن؛ حيث التآخي والتراحم والتكاتف والتعاطف، والمجتمع الذي يسنُد بعضُه بعضاً.

وكان هاجسُ جلالته، القيام بخطوة كفيلة بتوفير الحياة الحرة الكريمة لهذه الفئة، وتعويض الأطفال الأيتام عمّا فاتهم، وتأمين المستقبل المشرق لهم. ولم يَطُل تفكيره، فقد اهتدى إلى ما يُمكن فعلُه لينام قريرَ العين مرتاحَ البال. حيث أمر فوراً من خلال رسالة وجّهها إلى رئيس الوزراء، بتخصيص قصره، قصر الهاشمية، ليكون مكانَ الإقامة والمعيشة لهؤلاء الأيتام، مستذكراً وعدَ جدِّه، الرسول العظيم، بأنّ كافلَ اليتيم شريكُه في الجنة.

ولاهتمام جلالته وحرصه على تنفيذ قراره على أفضل وجه، أوكل هذه المهمة إلى سمو الأميرة زين بنت الحسين، وأمر بتوفير الرعاية الطبية لهؤلاء الأطفال، وتأمين فريق طبي من كادر الخدمات الطبية الملكية يتولى الإشراف عليهم صحياً. وعلمَ جلالته أن هناك طفلاً يعاني تشوُّهاً خلْقياً، فأمر بمعالجته على نفقته الخاصة، كما علم أن طفلاً آخرَ يعاني مرضاً معيناً، فأمر بعلاجه على يد أمهر الأطباء في مدينة الحسين الطبية.

وتولّت سمو الأميرة زين إجراء مقابلاتٍ مع عدد من المختصين والمختصات من أبناء الوطن وبناته، من أجل توفير كادر يتمتع بكفاءةٍ عالية للإشراف على الدار التي أطلق عليها جلالة الحسين “دار البرّ بالبراعم البريئة”.

وكان الحسين يتابع كلَّ خطوة من خطوات عمليات التجهيز والإعداد، ويساعد في اختيار الكوادر المناسبة لرعاية الأيتام وتنفيذ مكرمته السامية. واستجاب الفريق الطبي فوراً لأمر جلالته، حيث أُجريت الفحوصات اللازمة لجميع الأطفال وتمّ تحويل الحالات المرَضية لتلقّي العلاج المناسب؛ وبدأ الفريق المتخصص بالتربية وعلم النفس عملَهُ في ما يشبه الورشة المتواصلة، لمعالجة الأيتام نفسياً وإعادتهم إلى الوضع الطبيعي الذي يُفترض أن يكونوا عليه؛ وفي غضون ذلك كانت الورش الهندسية تصل الليلَ بالنهار لتجهيز المكان وإعداده كي يقدّم خدماته على أفضل وجه وليكون صالحاً لهذه المهمة الجليلة. وقد روعي في ذلك تخصيص مناطق للنوم، ومساحات للدراسة، إضافة إلى تزويد المرافق وأماكن اللعب بجميع احتياجاتها، وتوفير التجهيزات اللازمة وفقاً لأفضل المعايير.

وعبّرت سمو الأميرة زين عن سعادتها بهذا الإنجاز الكبير بدموع حارّة انهمرت من عينيها أمام جلالته أثناء افتتاح الدار الذي تزامن مع احتفالات الأردنيين بعيد ميلاد الحسين.

وكم كانت فرحة جلالته كبيرة وهو يرى البسمة ترتسم على شفاه الأطفال وهم ينادونه بكل براءة ويرقصون ويغنّون احتفلاً بعيد ميلاده وقد أضحت معاناتُهم جزءاً من الماضي وأصبح عنوانهم: “دار البرّ بالبراعم البريئة”.

وفاضت المشاعر من مُحَيّا جلالته وهو يشاهد طفلةً كانت تخشى الاقتراب من الآخرين، تنضمّ إلى المجموعة وتندمج مع المحيطين بها، تتحدث إليهم وتعبّر عن أفكارها دون تردُّد أو وجل. وأضاءت البهجةُ وجهَ جلالته وهو يرى طفلةً كانت مصابة بمرضٍ خبيث وقد تعافت تماماً بعد أن أُجريت لها العمليات اللازمة على نفقة جلالته الخاصة.

وحرص جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين حفظه الله، ترافقه الملكة رانيا العبدالله، على زيارة دار البرّ بالبراعم البريئة وتفقُّدها، وتقديم الدعم الكامل لها، ورفع مستوى الخدمات المقدمة للأطفال الملتحقين فيها ومنحهم العناية اللازمة.

وفي عام 2013 أصبحت الدار تحت إشراف وزارة التنمية الاجتماعية. وهي تقدّم الخدمات للأطفال المحتاجين للحماية والرعاية وهم: مجهولو الوالدين، ومجهولو النسب، وأطفال الأسر المفكّكة.
وتستهدف الدار الأطفال من الذكور والإناث، حيث تقدم لهم مجموعة من الخدمات الإيوائية والصحية والتعليمية والأكاديمية، وخدمات الإرشاد النفسي، بالإضافة إلى خدمات الإرشاد الأسري والإرشاد الوقائي، والخدمات الترفيهية والترويحية، والخدمات الفكرية والثقافية والدينية.

معرض الصور