ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي

ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي

1 آذار من عام 1956م

يحيي الأردنيون في الأول من آذار، ذكرى عزيزة على قلب كلّ عربي، هي ذكرى تعريب قيادة الجيش العربي، ذلك القرار كان له أثر كبير في تعزيز استقلال المملكة الأردنية الهاشمية، ودعم حركات الاستقلال والتحرر في الوطن العربي.

فقد اتّخذ المغفور له جلالة الملك الحسين، طيّب الله ثراه، قراره التاريخي بتعريب قيادة الجيش وإعفاء الفريق كلوب من منصبه رئيساً للأركان، منطلقاً في ذلك من شعورٍ وطنيّ وقوميّ أصيل، وحرصِ على مصلحة الوطن ورغبةٍ باستكمال استقلاله وسيادته، فضلاً عن رغبة جلالته في إعادة تنظيم الجيش بما يضمن أداءه لدوره المنتظَر منه باقتدار.

وكان الحسين وهو القائدُ الأعلى للقوات المسلحة الأردنية، يدرك خطورةَ هذا القرار وما سيترتّب عليه من آثار وتداعيات سياسية وعسكرية واقتصادية، وبخاصة أن الأردن كان يتلقّى مساعدات عسكرية من بريطانيا أصبحت عرضة للتوقف لا محالة، وهو ما استدعى من جلالته التحرُّك تجاه الدول العربية الشقيقة وإبرام اتفاقية التضامن العربي بعد ذلك.

وقد طلب جلالة الحسين يوم 1 آذار، عقدَ جلسة طارئة لمجلس الوزراء يرأسها بنفسه، وأبلغَ رئيسَ الوزراء قراره، فقام المجلس بتنفيذ القرار الملكي. وصدر القرار رقم (198) والذي نصّ على ما يلي:

  • إنهاء خدمة الفريق كلوب من منصب رئاسة أركان حرب الجيش العربي الأردني.
  • ترفيع الزعيم راضي عنّاب إلى رتبة أمير لواء، وتعيينه في منصب رئاسة أركان حرب الجيش العربي الأردني.
  • إنهاء خدمة القائم مقام "باترك كوجهل" مدير الاستخبارات.
  • إنهاء خدمة الزعيم "هاتون" مدير العمليات العسكرية.

وعلى إثر ذلك، أُبلغ الفريق كلوب بإنهاء خدماته، وطُلب منه مغادرة عمّان، كما استُدعي السفير البريطانيّ وأُبلغ القرار. وفي صبيحة يوم الجمعة 2 آذار، غادر الفريق كلوب عمّان بالطائرة. وعند الساعة السابعة والنصف بثّت الإذاعة الأردنية القرارَ الملكيّ الذي أعلنه جلالة الملك الحسين من الديوان الملكي الهاشمي: "قد رأينا نفعاً لجيشنا وخدمةً لبلدنا ووطننا، أن نجري بعض الإجراءات الضرورية في مناصب الجيش، فنفّذناها متّكلين على الله العليّ القدير ومتوخّين مصلحة أمتنا وإعلاء كلمتها، وإنني آمل فيكم كما هو عهدي بكم النظامَ والطاعة".

وخاطبَ جلالتُه شعبَه في كلمته قائلاً: "وأنت أيها الشعب الوفي، هنيئاً لك جيشك المظفّر الذي وهب نفسه في سبيل الوطن ونذر روحه لدفع العاديات عنك، مستمداً من تاريخنا روحَ التضحية والفداء، ومترسّماً نهج الأُلى في جعل كلمة الله هي العليا".

وما إن تلقّى الأردنيون هذه البشرى، حتى خرجوا بالآلاف آمِّينَ قصرَ رغدان العامر، فامتلأت ساحاته بهم وهم يهتفون للحسين: "حييتَ يا حسين.. ملك الشعب.. رمز الوطنية"، فخطب جلالته في أبناء شعبه الذين وفدوا مؤيدين قراره وملتفّين حول الراية الهاشمية، قائلاً: "إخواني، إنه لَيوم مبارك، وأني لَسعيد بهذه المناسبة التي أتحدث فيها إليكم.. وأحيّي فيكم هذه الروح الوطنية النبيلة، وأهنّئكم بجيشكم.. لقد قمنا بالحركة.. وكُتب لنا التوفيق... لقد قمت وأبناء هذا الوطن وبهذا الجيش بهذه الحركة، ووفّقنا الله، فأهنّئكم، والله يوفّقنا إلى استعادة حقوقنا المسلوبة، ولنعمل معاً يداً واحدة في خدمة الوطن وفي سبيل استعادة حقوقنا".

وقد عبّر قرار تعريب قيادة الجيش عن رغبةٍ أكيدة في بسط السيادة الوطنية على الدولة ومؤسساتها، وتمسُّكٍ بهيبة الجيش وكرامة الوطن وحريته وصون قراره. كما مهّد الطريق أمام العرب للتخلّص من بقايا النفوذ الأجنبي، وأحيا المشاعرَ القومية في نفوس العرب الذين كانوا ينتظرون هذا القرار بفارغ الصبر بما انطوى عليه من رسائل ودلالات.