الحسين بن طلال
خطاب العرش فــي حفل افتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الأردني التاسع
في يوم الأربعاء
الواقع في 29 رجب سنة 1387 هحرية
الموافق 1 تشرين الثاني سنة 1967 ميلادية
بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على نبيه العربي الأمين
حضرات الأعيان ، حضرات النواب
باسم الله العلي القدير نفتتح هذه الدورة العادية لمجلس الأمة الأردني التاسع مؤكدين في مستهلها ايماننا ببلدنا الغالي وبالوحدة المقدســـة التي تجمع أسرته الواحدة في الضفتين العزيزتين وبأمتنا الماجدة ووحـــدة الآمال والأهداف والمصير لسائر أبنائها في الوطن العربي الكبير .
ونبدأ بكل خشوع وايمان ، بذكر شهدائنا الأبرار الذين قضوا في سبيل الله والوطن في ساحات الشرف والكرامة على ثرى الضفة الغربية من أردننا العزيز ، وفي ميادين العزة والاباء على ثرى كل أرض عربية طهور . ونستمطر على أرواحهم الخالدة ، شآبيب الرحمة والرضوان ، مرددين قوله تعالى ” ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ” .
ونبعثها من تحت قبة هذه الندوة البرلمانية الممثلة للشعب الوفي في الضفتين من مملكتنا ، تحية صادقة وفية الى أهلنا واخواننا في جوار المسجد الأقصى ، وعلى عتبات الحرم الابراهيمي الشريف ، وفي ذرى نابلس ورام الله وربى أريحا وجنين لصمودهم الجبار في محنتهم ووقفتهم الرائعة عند حقوقهم، واصرارهم العنيد على الحفاظ على أصالة عروبتهم ووحدة بلدهم التي يرونها المثل الذي يجسد حلم أمتهم في الوحدة الكبرى .
لقد قدر الله وأراد للكارثة أن تقع . ولكنه جل وعلا أراد لنا أن نختار بين أن تكون نهاية لماض حافل عاشته أمتنا على مر القرون والدهور أو بداية لمستقبل مشرق تعيشه أمتنا موفورة الكرامة عزيزة الجانب جديرة بما نحلم به من رفيع المكانة بين العالمين . ولقد عرفت الأمم والشعوب من قبلنا مثل ما عرفناه من كارثة الأمس وأقل وأكثر لكنها بفضل ما أتيح لها عن عزائم أبنائها وصمودهم على الحق والتضحية في سبيله استطاعت أن تمحو عن وجودها كل محنة ، وتبدد من سمائها سحب الشر والأذى والهوان . ولم يكن بد لنا أن نختار فاخترنا النهوض على البقاء تحت الركام ، الصمود على التخاذل والاستسلام وعزمنا على ان نسلم وطننا الى الابناء والأحفاد من بعدنا ، عزيزا كريما كما كان وأكثر مما كان واذا كنا نؤمن بأن المستقبل لنا ، فاننا نؤمن كذلك ، بأن أول دعامة يرتكز عليها ذلك المستقبل ، ثبات الشعب العربي على حقه وفي طليعته هذا الثبات المشرف الذي يبديه أبناء ضفة الأردن الغربية في وطننا الحبيب .
حضرات الأعيان ، حضرات النواب
ان قضية فلسطين هي حجر الزاوية في سياسـة الأردن الداخلية والعربية والخارجية ، وهي ان كانت قضية أمتنا العربية المقدسة الاولى ، فانها بالنسبة لنا في هذا البلد قضية حياة أو موت . من هنا تصدينا للازمة الراهنة التي خلفها العدوان الصهيوني علينا وعلى الأمة العربية بكافة الطاقات والامكانات ، ومن هنا انصرفت سياسة حكومتي الى ازالة آثار ذلك العدوان عن الضفة الغربية الجريح والقدس العربية الخالدة في طليعتها ، وعن كل أرض عربية أخرى تعرضت للعدوان . لقد رفضنا باصرار وتصميم قبول المبدأ القائم على أساس السماح للمعتدي بفرض شروطه من المركز الذي حققه نتيجة عدوانه . وحين وفقنا الله الى عقد مؤتمر القمة العربي الأخير في الخرطوم ، استطاع ذلك المؤتمر بعون الله أن يكون نقطة تحول في المسيرة العربية كلها ، وبات علينا أن نجعل من انطلاقتنا الجديدة نقطة تحول في الموقف الدولي كله ، بحيث نجهد لكسب المزيد من الأصدقاء والأنصار الى جانب حقنا بعد أن حجبته عن عيونهم خطط الأعداء ، وما يبذلونه من جهود ، ونادى المؤتمر معنا بأننا كنا وسنبقى على الدوام طلاب حق وسلام ولكنه الجق المقدس الذي لا نقبل بأن نفرط منه بذرة واحدة ، والسلام القائم على العدل الذي لا تاويل فيه ولا غموض . ولئن كان الهدف الآني المباشر لجهودنا في مختلف الميادين هو ازالة آثار العدوان الأخير ، فان سياستنا بالنسبة للقضية برمتها تقوم على أساس الوصول الى حل مشرف لها ، تصان فيه كل ذرة من حقوق أبناء فلسطين ، وكل معنى من معاني الكرامة العربية وأسبابها . ولسوف تكون جهود حكومتي في هذا السبيل باتفاق وتنسيق مع الدول العربية الشقيقة وبما يحفظ الحق العربي والمصلحة العربية المشتركة العليا .
حضرات الأعيان ، حضرات النواب
ان سياسة الأردن العربية كانت وما تزال وستبقى انعكاسا عميقا لايماننا بان الأردن جزء لا يتجزأ من الوطن العربي الكبير ، واننا نقود فيه نهضة عربية وثورة عربية ، هي امتداد طبيعي للثورة العربية الكبرى التي قادها في مستهل القرن العشرين المغفول له الحسين بن علي طيب الله ثراه . واذا كانت ثورتنا تمضي من وراء شعار : الوحدة والحرية والحياة الأفضل ، فانها تتمثل في أخوة السلاح التي تجسدت أيام العدوان الأخير بامتزاج الدماء الزكية من أبطالنا وأبطال الأخوة الأشقاء ، وبالتحام القلوب والنفوس على أهدافنا العربية الواحدة وتفاعل طاقاتنا وامكاناتنا في سائر المجالات والميادين . ولئن أسهم الأردن في جمع الشمل ورأب الصدع ، والقضاء على كافة عوامل الفرقة والخلاف التي يغذيها المستعمر ويروج لها العدو ، فان حكومتي ستعمل باصرار وتصميم على تدعيم هذا اللقاء الشامل ، وتعميق أسسه ومرتكزاته حتى يصبح الأساس المتين لبناء أمة عربية متطورة منيعة ، يفرح بها الأصدقاء ، ويغص بوجوها الطامعون والأعداء ( كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله ).
وأما في الحفل الخارجي ، فان سياسة حكومتي تقوم على أساس الحرص الى تمتين علاقاتنا مع الدول الاسلامية الشقيقة ، ومصادقة من يصادقنا ويصادق
أمتنا ، ومعاداة من يعادينا ويعادي أمتنا . فعلاقاتنا مع دول العالم لا تقوم الا في اطار من الاحترام المتبادل ، والرغبة الأكيدة في التعاون المشترك البناء ، مؤيدين تطلعات كافة الشعوب لتحقيق حياة أفضل لأبنائها وكفاحها في سبيل تقرير مصيرها وبلوغ أهدافها المشروعة . ونحن بوحي من ذلك كله نمد أيدينا الى من يرغب في مصافحتها ، لنعمل معا لبناء عالم يسوده السلام والعدل والرخاء لنا وللبشرية جمعاء .
حضرات الأعيان ، حضرات النواب
ان وطننا اليوم يعيش ظروفا تاريخية عصبية ، وهو مصمم على ازالة المأساة لنبني البناء الجديد المتين على أقوى الدعائم وأشدها ثباتا بفضل ما تعلمناه وما أفدنا منه من دروس . من أجل ذلك ينبغي حشد كل طاقة من طاقاتنا المادية والمعنوية وتوجيهها الوجهة الصحيحة ووضعها في الطريق السليم . كما ينبغي أن تتلاحم قوى الشعب بسائر فئاته وهيئاته مع حكومته في بوتقه العمل الشريف الدائب الذي يقيم في كياننا ( حكم الشعب من الشعب وبالشعب ) . فمسؤولية الحكم ان كانت أمانة في عنق المسؤول ، فانها في الوقت ذاته مسؤولية يتحملها المواطن أينما وجد ، وفي أي حقل كان . فنحن نعيش في عصر لا تشكل الحكومة فيه غير سنان الرمح في جهد شعبي شامل ، هو القوة الحقيقة الزاخرة للوطن كله . وفي ضوء هذه الحقيقة يتوجب على كل مواطن أن يكون مجندا في خدمة بلده وأمته ، لا حد لايمانه بربه ووطنه ورسالته ولا حد لتضحياته في سبيل بلوغ أهدافه وتحقيق امانيه . من هنا فان حكومتي ستعمد الى اعداد قانون التجنيد الاجباري حتى يتاح لأبناء أسرتنا الأردنية شرف الدفاع عن رايتهم والذود عن حياض وطنهم بكل ما عرف عنهم من بسالة واباء . ولكننا ونحن نرى في القوة العسكرية والاقتصادية وغيرها دعامة من دعائم وجود وأسس كياننا ، فاننا نر أن قوة الفكر والعقل هي السبيل لاغناء ذلك الوجود وهذا الكيان بأنبل ما فيه من مثل وقيم ومعطيات . من هنا دعوتنا الى كل مواطن الى تلك الجندية العامة ، التي تنشط تحت راياتها جميع قوى النفس البشرية ، وتعمل في ظل اعلامها سائر الطاقات الخيرة في وجدان كل انسن ، لنصنع جيمعا يد بيد ونتقن الصناعة ونبني كلنا كتفا الى كتف ونعلي البنيان .
حضرات الأعيان ، حضرات النواب
ان اعادة بناء القوات المسلحة الأردنية ، وعلى ضوء الاختبارات الأخيرة ، وفي سبيل تلبية الواجبات القومية الملقاة على عاتق بلدنا . هي في طليعة المهام التي تتصدى حكومتي لانجازها باستمرار . ولسوف تمضي في تجهيز تلك القوات بأحدث الأسلحة وأقوى المعدات ، لتظل دوما كما كانت موضع افتخارنا واعتزازنا ، ومحط أملنا ورجاءنا نحن والامة العربية جمعاء . كذلك فان الحكومة ستقوم ببناء جهاز الأمن على أسس تكفل له القدرة والكفاءة على السهر على شؤون الأمن الداخلي والحفاظ عليه .
لقد كان الأردن يسير بخطى ثابتة الأركان لاستغلال موارده المادية البشرية في مجالات التقدم الاقتصادي والاجتماعي . ولقد بلغ نجاح الأردن في هذا السبيل حدا جعل الأردن في المرتبة الأولى بين كافة الدول المتطورة والنامية ، اذ بلغ معدل الزيادة السنوية في دخله القومي عشرة في المائة وهي من أعلى النسب في العالم بين الدول النامية والمتطورة . ولئن كانت النكسة الأخيرة قد أثرت تأثيرا خطيرا على مسيرتنا المباركة تلك ، فان الحكومة ستستأنف تلك المسيرة دون كلل ولا هواده ، حتى تتحقق أهدافنا في نهضة اقتصادية اجتماعية شاملة زاهرة . وسيظل رائدها في كل خطوة من خطواتها ، الحرص على توفير أسباب الابداع الفردي وتشجيع الاستثمار الوطني ومحاربة الاستغلال والاحتكار ، وتحقيق الرخاء والعدالة الاجتماعية وفرص العمل للجميع ، ولسوف توضع مشاريع الدولة المدروسة للضفة الغربية الجريح في الموازنة العامة للدولة حتى يمكن الشروع في تنفيذها دون ابطاء بعد زوال الغمة وهي ستزول بعون الله عما قريب .
حضرات الاعيان ، حضرات النواب
اننا ونحن نفتتح هذه الدورة لمجلسكم الكريم ، ندعوكم الى المزيد من العمل الهادف والجهد المثمر في اطار التعاون التام مع السلطة التنفيذية ، راجين لكم جيمعا التوفيق في خدمة بلدنا الغالي وأمتنا الماجدة سائلين المولى عز وجل أن يسدد خطانا ويوفقنا لتحقيق آمالنا واهدافنا في هذه الحياة. (وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون). صدق الله العظيم .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .