خطـــاب العـــرش
فـــي
افتتــاح الــدورة العــادية الثالثـــــة
لمجلـــس الأمــــة الأردنـــي العاشــــر
فــي يـــوم الســــبت
الواقــع فــي 19 صـــفر ســنة 1406 هجريـــة
الموافــق 2 تشـــرين ثــاني 1985 ميلاديـــة
بسم الله الرحمن الرحيم
حضــرات الأعيان، حضــرات النـواب،
بسم الله العلي القدير نفتتح هذه الدورة العادية الثالثة لمجلس الأمة العاشر, حامدين الله تعالى ان مكنكم، خلال الدورة العادية والاستثنائية الماضية التي تواصلت دون انقطاع على مدى العام من ترسيخ دعائم المسيرة الدستورية التي حرصنا على صونها وتحصينها وارساء تقاليدها العريقة في أردننا الحبيب : نهجا في الحياة، ومنارا للحكم الديمقراطي القويم. وانني لأشعر بالسعادة تغمرني ونحن نسجل بالاعتزاز الجهد العملي البناء الذي تجلى في تعاون السلطتين التنفيذية والتشريعة في اصدار التشاريع والقوانين وتطويرها وتعديلها لخدمة الوطن والمواطنين، بحيث أصبحت التجربة الأردنية مثلا عاليا جديرا بأن يحتذى في أصول حكم الشورى لتي تتطلع اليها جميع شـعوب أمتنا العربيـة وشـعوب العالم الثالث بوجه عام، مثلما تشكل احياء لقيمنا العربية الاسلامية المثلى في عهودها الذهبية التي جعلت من أمتنا خير أمة أخرجت للناس. فكلنا راع وكلنا مسؤول عن رعيته بالتواصل والتوافق والمحبة وسيادة القانون.
حضــرات الأعيان، حضــرات النـواب،
اذا كان اعتزازي بانجازاتكم كبيرا فان مما يبعث في نفسي الرضى قيام الحكومة، بناءا على توجيهاتنا بخطوات واسعة المدى في الحكم المحلي وتطبيق اللامركزية ونظام التقسيمات الادارية الذي يعكس التطورات التنموية الغامرة والتوسع السكاني الكثيف في مختلف ربوع المملكة، بمدنها، وباديتها، وقراها، ومراكز تجمعاتها، بحيث أصبح اختيار المواطنين لبلدياتهم ومجالسـهم المحليـة وسـائر شــؤون الحكم المحلي حقا مقدسا يمارسونه، وواجبا ستحرض أشد الحرص على صيانته وتطبيقه.
ن الديمقراطية الراسخة تبدأ من أرضية الواقع الصلدة، وتشكل قاعدة الهرم الواسعة التي تترابط حلقاتها صعودا حتى مستوى القمة. الديمقراطية الأصلية تتمثل في صنع القرار على أرض الواقع وعلى جميع المستويات وليست شعارا براقا بغير مضمون.
تحقيقا لهذه الأهداف السامية، وضمانا لتمثيل أوسع وأشمل لجميع المواطنين في مناطق المملكة كافة، فان حكومتي ستتقدم الى مجلسكم الكريم بقانون انتخابات جديد يجسد هذه المبادىء الغايات ويعززها.
حضـرات الأعيان، حضـرات النـواب،
قد كان الأردن وسيظل على الدوام معتزا بتقاليده العسكرية الرفيعة، وبقواته المسلحة الباسلة التي تشكل درع الوطن وسياجه المنيع لدرء أي عدوان يمس سيادته وحرمته وأمنه. وللجيش العربي الأردني المصطفوي رسالة راسخة مميزة متوارثة منذ الثورة العربية الكبرى في الذود عن حمى الأمة العربية في كل بقاعها، وتحرير ما اغتصب من ثراها المقدس، وتحقيق استقلالها ووحدتها ومنعتها.
من هذا المنطلق، فاننا نولي قواتنا المسلحة الأولوية المطلقة في تفكيرنا وتدبيرنا، ولن نبخل عليها تحت أي ظرف من أجل تدعيمها وتزويدها بأحدث الأسلحة والمعدات، والمحافظة على مستوى تدريبها الرفيع.
نود ان نؤكد هنا، أننا مصممون على تأمين ما نحتاج اليـه من أحـدث الأسلحة والتجهيزات من المصادر المتاحة لنا كافة دون أي اعتبار للعراقيل التي توضع في طريقنا.
أود ان أسـجل بعميق الرضى أن قانون خدمة العلم يطبق بدقة وشمول، بحيث أصبح جزءا لا يتجزأ من حياة مجتمعنا، وأصبح يردف قواتنا المسلحة بقوى بشرية حاشدة مؤهلة بالعزيمة والعلم والاستعداد لكل تضحية للذود عن حمى الوطن.
ما أسـجل بعميـق الارتياح، شـروع حكومتـي في تنفيـذ قانون الجيش الشعبي، الذي أقره مجلسـكم الكريـم في دورتـه الماضية بدءا بمحافظة البلقاء. ونحن نعمل جاهدين على توسيع وتأمين مستلزماته حتى يعم أرجاء الوطن كله بحيث يصبح الأردن شعبا شاكي السلاح وقلعة تتكسر دونها جميع مخططات العدوان.
تولي حكومتي اهتماما كبيرا بتطوير أجهزة الأمن العام والدفاع المدني وتزويدهما بأحدث النظم والتجهيزات المتطورة، لأن استقرار الجبهة الداخلية وتماسكهما هما الأساس لكل عمل منتج خلاق. والأمن العام في كل الاحوال يجد في المواطن الشريف شريكا له في توفير الطمأنينة والنظام والاستقرار على أساس ايمان الجميع بأن كل مواطن خفير أينما كان موقعه : عملا وسكنا.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
نني من على منبركم هذا لأبعث الى أهلنا الصامدين المؤمنين في المحتل من أرضنا : في الضفة الغربية الغالية، وفي غزة هاشم، وفي القدس العربية الخالدة، مهوى الأفئدة والقلوب بتحية صادرة من الاعماق، تحية اكبار واجلال، وتقدير واعجاب، للصمود البطولي الشامخ الذي يتحدى كل يوم أعتى احتلال استيطاني عرفه التاريخ المعاصر. ان ما يتعرض له أهلنا في وجه جميع صنوف القهر والعنت والقوة الغاشمة، والحرمان التي تستهدف الوجود العربي والاسلامي الضاربة جذوره في أعماق التاريخ، لهو تحد مصيري لا يقتصر على شعبنا العربي الأصيل في فلسطين، وانما يشكل أيضا منطلقا لتهديد الوجود العربي والاسلامي على امتداد منطقتنا الحضارية المترامية الأطراف. انها محاولة لفرض الهيمنة على أمتنا بدعم غير محدود من قوى عالمية تؤيد هذا العدوان.
ن معاناة أهلنا اليومية في حياتهم ومعيشتهم وأرزاقهم قد بلغت حدا لا يمكن السكوت عليه أو التهاون فيه. ان حكومتي ستظل مسؤوليتها القومية في تقديم المساعدات لأهلنا الصامدين ضمن امكاناتها المحدودة، كما فعلت منذ عام 1967. مع أن الدعم المحدود الذي تقدمه الدول العربية الشقيقة من خلال اللجنة الاردنية الفلسطينية المشتركة أخذ يتناقص في السنوات الأخيرة تناقصا يدعو الى القلق العميق، لأنه يأتي في وقت تشهد فيه الأرض المحتلة تفاقم البطالة، وانعدام فرص العمل، ومصادرة الأرض والماء والموارد والممتلكات وفرض الضرائب الفاحشة. لقد أصبح لزاما علينا التحرك الفوري مع أشقائنا العرب لعقد اجتماع عاجل على مستوى رفيع لتدارس الوضع من جوانبه كافة لئلا تحل الكارثة – لا قدر الله -.
ن دعم صمود اهلنا في الأرض المحتلة، بالاضافة الى جوانبه الانسانية التي تفرضها واجبات الاخوة والمروءة والشرف، يرتبط ارتباطا عضويا بالامن القومي العربي كله. وأهلنا، وان كانوا يرزخون تحت الاحتلال البغيض منذ نيف وثمانية عشر عاما، فانهم يشكلون في ثيابهم على أرضهم الحقيقة الأساسية التي نستند اليها في استعادة حقوقنا المغتصبة، ومن هنا، فان العمل على تثبيت الشعب الفلسطيني بأرضـه هو الركيزة الاولى في سياسـة حكومتي تجاه الأرض المحتلة. ومن هنا أيضا : تواصل حكومتي بذل الجهود لمراجعة الاجراءات والتعليمات التي تنظم صلاتنا بالأهل هناك وصلاتهم بنا، وتحديثها، لتعميق الأواصر ومد يد العون والتيسير للمواطنين وللانتاج الزراعي والصناعي في الانتقال والعبور. وفي هذا الاطار : شـرعت حكومتي فعلا في مسح الاحتياجات التنموية في الأرض المحتة وتحديد المجالات الأكثر مردودا والاجزل في الجدوى، ودراستها بعناية وعمق، مهيدا لاستكمال عناصر خطة عامة وبرامج تفصيلية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في الأرض المحتلة، آملين أن توضع موضع التنفيذ حال اكتمالها وحسب الامكانات المتوفرة.
أيها السادة الأعيان والنواب،
قد اتبعت حكومتي على صعيد علاقاتنا الخارجية سياسة قومية جادة متزنة تنبع من عراقة هذا البلد الأردني العزيز في العروبة والاسلام، ومن انفتاحه الواضح على الدول جميعا، ومن تمرسه الطويل بالحركة العربية وتوسطه في المجموعة العربية، ومن ايماننا العميق بأن التضامن العربي تمليه الحياة العربية المشتركة والمصالح الموحدة والمستقبل الواحد. ويفرضه التزامنا بميثاق جامعة الدول العربية ومعاهدة الدفاع العربية المشترك وقرارات القمم العربية.
نحن من هذا المنطلق، نعتبر أن قضايانا العربية الكبرى هي مسؤولية مشتركة بين الدول العربية. وتحتم توحيد هذه الجهود وتنيسقها وتوجيهها نحو معالجة القضايا بما يحقق الأهداف والاماني القومية.
قـد زاد مـن ايماننا بضـرورة العمـل العربـي المشــترك مـا نشـاهده بحزن شـديد من تمـزق في صـفوف الأمـة العربية وتصـارع بين فئاتها، وما نراه من تضارب السياسات والاتجاهات بين الدول الشقيقة في الأمـور المصيرية، وما نلاحظه من تردد في عقد الاجتماعات العربية المقررة، كلما دعت الحاجة الى ذلك.
من هنا : جاءت تلبيتنا للدعوة الى حضور مؤتمر القمة العربي الطارىء في الدار البيضاء، الذي كان من نتائجه : الدعوة الى حشد طاقات الامة العربية، ونبذ الخلافات بينها، وضرورة التضامن بين دولها، وتشكيل لجان تسعى الى التوفيق بين الأشقاء العرب.
استنادا الى ما أعلنه مؤتمر القمة الطارىء، وبدافع نبيل من المملكة العربية السعودية والجمهورية التونسية والأمين العام لجامعة الدول العربية، فقد تمت لقاءات في جدة والرياض بدعوة من سمو ولي العهد السعودي بين المملكة الاردنية الهاشمية والجمهورية العربية والسورية على مستوى رئيسي الوزراء في البلدين الشقيقين لمراجعة العلاقات بينهما بروح تميزت بالمكاشفة والاخاء والحرص على المصلحة العربية العليا. وكان من الطبيعي أن تحقق هذه الاجتماعات بداية طيبة، نظرا للروابط بين البلدين، وللنيات المخلصة التي أظهرها المجتمعون. وستستأنف هذه الاجتماعات بحيث تتناول كل مسألة كان حولها اختلاف، وبحيث تنمي كل من شـأنه أن يؤمن المصالح المشتركة ويوطد حسن الجوار. ان همنا هو : أن نعيد لهذه الأمة حيويتها ومكانتها وتماسكها وقوة كلمتها. نسعى الى هذاالعمل المستمر ضمن النطاق العربي، وبالجهود التي نبذلها في المحيط الدولي الأوسع، تحقيقا لمصالح أمتنا وخدمة لقضاياها العادلة.
والقضية الفلسطينية هي : مركز اهتمامنا في اطار العمل العربي المشترك، فهي عدا أنها قضية القضايا العربية، فقد كانت وستبقى لنا في الأردن شغلنا الشاغل، لأنها تتغلغل في نفس كل فرد من أبناء شعبنا وتدخل كل بيت من بيوتنا. ونعتبرها قدرا كتب علينا أن نواجهه بكل شـرف وبسالة ووفاء. لانها قضية عدوان يجب أن نرده، وحق يجب أن نسترده.
من هنا كانت كل نشاطاتنا وتحركاتنا، بما فيها تحركنا المشترك مع منظمة التحرير الفلسطينية تستهدف زعزعة أركان الأمر الواقع الذي أخذ يترسخ في ظل اللاحرب واللاسلم. ولقد عملنا ولا نزال على تسليط الأضواء وتنوير الأذهان للتركيز على المبادىء التي يمكن أن يقوم عليها السلام في الشرق الأوسط. وقد كان تحركنا حلقة من حلقات العمل العربي المشترك. وبابا من أبوابه. وانطلاقة ديناميكية مؤثرة، مبنية على القاعدة الصلبة التي بلورتها قمة فاس.
سنظل نحمل واجبنا القومي والوطني نحو هذه القضية المقدسة، ونقوم بمسؤولياتنا ومساعينا نحو احلال السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط، على أسس الشرعية الدولية، وعلى ما قررته الأمم المتحدة بشأن القضية الفلسطينية وأزمة الشرق الأوسط، وفي اطار مؤتمر دولي تحضره أطراف النزاع المعنية كافة.
نحن نرى أنه بغير هذا، لا سبيل للسلام، وبغير هذا، تبقى منطقة الشـرق الأوسـط في اضـطراب دائم وتوتـر مسـتمر، يهددان الاستقرار في المنطقة، والسلام العالمي جراء ذلك. ولن يكتب التاريخ بأي حال من الأحوال أننا خضعنا لتعنت اسرائيل وسياسـة الأمر الواقع التي تتبعها، أو أننا تنازلنا عن حقوقنا المشروعة.
ن عملنا الدائب المتواصل المستند الى التضامن العربي والمعزز بعلاقتنا الوثيقة الممتازة مع جميع الدول، كفيل بأن يوصلنا الى شاطىء الظفر والأمان.
قد عرضت القضية في الأمم المتحدة، بمناسبة عيد تأسيسها الأربعين، أمام أكبر عدد من القادة والرؤساء. ووضعت الهيئة الدولية، في الخطاب الذي ألقته، أمام مسؤولياتها عن القضية الفلسطينية التي نشـأت في الامم المتحدة وعاشت معها، وأصبحت اليوم أزمة الشرق الأوسط. وشعرت بالأثر العميق الذي أحدثه عرضنا للقضية وبالتجاوب الواسع مع دعوتنا الخيرة.
لئن كنا نسعى مخلصين الى شـق الطريق نحو السلام، فذلك لأننا : فوق نداء الضمير، مسؤولون أمام الله وأمام الشعب، وأمام التاريخ. نبتغي في سعينا انقاذ الأهل تحت الاحتلال مما هم فيه، واسترجاع الأرض العربية المغتصبة واستعادة الحقوق المشروعة العربية والفلسطينية. فجهودنا جزء من الجهود العربية الجماعية، تقوى بها ان هي قويت وتوحدت، وتضعف ان هي ضعفت وتفرقت.
أيها السادة الأعيان والنواب،
ان اسـتمرار العدوان الايراني علـى العـراق الشـقيق سـيظل مصـدر قلق دائم، مثلما هو هم قومي كبير. ولقد وقفنا منذ بدء هذا العدوان الى جانب اخوتنا في العراق الذين ضربوا مثلا رائعا في البسالة والتماسك والتضحية في دفاعهم العادل عن أرضهم وأمتهم.
من المؤسف أن الجهود الدولية والعربية والاسلامية التي بذلت بشكل متتابع لاقناع ايران بالعدول عن فكرة الحرب وقبول السلام على أسس المحادثات السلمية بين البلدين المسلمين لم تفلح حتى الآن. ولا بد من أن تستمر هذه الجهود كي تقتنع ايران بأن طريق السلام بين دولتين جمعهما الدين الواحد والتاريخ الطويل والحضارة المشتركة، هو وحده طريق الحل لما بينهما من نزاع. وسنستمر في الوقوف الى جانب العراق الشقيق ودعم حقه في الدفاع عن نفسه وأمته ودعوته الى حل النزاع بالطرق السلمية.
أيها السادة،
اما لبنان العزيز، فان الألم ليعتصر قلوبنا بسبب هذه المآسـي والنكبات التي تقع كل يوم فوق ترابه وعلى أيدي أبنائه. ونهيب الشعب اللبناني العريق أن يعود الى رشده ويرحم حالة وبلده وأبناءه والأجيال المتعاقبة.
لئن كانت النكبات ما تنفك تصيب أمتنا في مختلف أقطارها، فان ما أصاب السودان الشقيق من نكبة الجفاف، يجعلنا نهب لمؤسساته ومد يد العون اليه، ومناشدة الدول الشقيقة القادرة أن تنهد الى ما يعينه على تطوير اقتصاده وتحسين أحوال المعيشة بين أبنائه، فلا تتكرر مأساته.
أيها الاخوة الأعيان والنواب،
ننا ونحن نعتمد على الله سبحانه وتعالى، في كل أعمالنا وغاياتنا، لنجد في شعبنا اللبنة الاولى التي تمكننا من الاضطلاع بواجباتنا ومسؤولياتنا. ان شعبنا الكريم المعطاء الذي شــيد النهضة والعمران في أرجاء وطننا الأردني المقدس جدير بأن يلقى منا أقصى ما نستطيع أن نقدمه اليه من عون وخدمات.
من هذا المنطلق،ومن أجل أن نبني ونعلي. فقد خطت حكومتي خطوات واعية، تنظيمية عملية جادة، كي نستثمر الأرض، ونزيد الموارد، ونؤمن له الخير والدعم والاكتفاء.
حضرات الأعيان، ضرات النـواب،
في الدورة السابقة لمجلسكم الكريم واصلت حكومتي العمل والتخطيط وضع تصور شامل متكامل جديد لحاضر مجتمعنا الأردني ومستقبله المتطور بخطى سريعة واثقة للحاق بركب المجتمعات التي سبقتنا في معارج التقدم والعلم، ونحن نقف على مشارف الهزيع الاخير من هذا القرن العشرين. يصحب ذلك كله احياء وتعميق وتفهم صحيح لقيمنا الروحية الخالدة وانبعاث لكنوز تراثنا العربي الاسلامي الحضاري الذي ملأ العالم نورا وهداية على مدى القرون، قبل أن تمر أمتنا بحين من الدهر أصابها فيه الضمور والتراجع والجهل والضعف والتفكك والهوان.
ان استجابتنا لهذا التحدي الحضاري تتم في الميادين كافة وفي مقدمتها اعداد الانسان المؤهل بالعلم والايمان والخلق والطموحات، والذي نعتبره أغلى ما نملك، لأن البنية الأساسية التي تعطي لمجتمعنا القوة والتماسـك والعمل المنتج الخلاق. وحسبي أن أسجل بعميق الارتياح أن نحو مليون طالب وطالبه قد انتظموا هذا العام في المدارس والمؤسسات العلمية على اختلافها. وهذا الرقم يمثل خمسة وثلاثين بالمائة من مجموع المواطنين. وان حكومتي ماضية قدما في برنامج بناء المدارس الحديثة المجهزة بأحدث التجهيزات بما في ذلك التوسع في ادخال المختبرات العملية والكمبيوتر والتدريب المهني، بحيث تصبح جزءا لا يتجزأ من اعداد الطالب لمتطلبات العالم الذي يعيش فيه.
ان التعليم الالزامي قد أصبح متوافرا للطلبة كافة، وتخطط وزارة التربية والتعليم لتعميمه تعميما كاملا عام 1990. كما ان المجتمع الأردني الذي قطع أشواطا واسعة في الحملة الوطنية لمحو الأمية سوف يستقبل عام (2000) وقد تحرر كليا من مشكلة الأمية باعتبارها من أهم عوائق التنمية. كما نسجل ببالغ الارتياح أن خمسة وخمسين بالمائة ممن هم في سـن التعليم العالي قد التحقوا بمختلف الجامعات والمؤسسات التعليمية في الداخل والخارج على السواء وهي من أعلى نسب التعليم الجامعي في العالم، بما فيه العالم المتقدم. ولقد باشرت وزارة التعليم العالي مهمتها الأساسية في توجيه التخصص العملي العالي وتنظيمه بحيث تحدث نقلة نوعية في نهضتنا العلمية بما يتلائم وحاجات المجتمع وتطلعاته وأهدافه الحالية والمستقبلية التي تستجيب لمتطلبات عالمنا المعاصر. ولا يخفى عليكم أن تخريج عشرات الأولوف من الجامعين المؤهلين يحتاج الى أن يترافق معه بناء القدرة الاستيعابية لهم من خلال خطط التنمية التي تأخذ بعين الاعتبار تنظيم القوى البشرية. وهذا هدف توليه حكومتي أقصى اهتمامها وتحقيقه رهن بالتعاون والتنسيق الوثيق بين المؤسسات الحكومية وقطاعات الشعب على اختلافها.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
أما في مجال التخطيط للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، فان حكومتي تعكف حاليا بمشاركة المؤسسات الأهلية والقيادات المحلية والقطاع الخاص على اعداد الخطة الخمسية الثالثة 1986 – 1990. ونحن ندرك أن التخطيط عملية مستمرة تقوم باعداد تصورات بعيدة المدى، بالاضافة الى الخطط الخمسية المتوسطة المتلاحقة. وفي هذه المرحلة التي ظهرت فيها مثالب وتراجعات، وركود نسبي في معدلات نمو الدخل القومي، نتيجة عوامل مالية واقتصادية عمت معظم أقطار العالم بما في ذلك منطقتنا العربية، التي كانت ترفد اقتصادنا الوطني وقدراتنا الدفاعية برفد قوى، والتي بلغت اوجها في الطفرة الكبيرة التي شهدها بلدنا حتى اوائل الثمانينات، فان حكومتي تعمل جاهدة على تصحيح المسار، وتغيير البنية الهيكلية، والتكيف مع المتغيرات المحلية والاقليمية والدولية بشجاعة وواقعية، تهدف الى تنشيط القاعدة الاقتصادية وخاصة الانتاجية منها، مؤملين التقدم على طريق تحقيق الاكتفاء الذاتي في منأى عن المتغيرات الخارجية، والتحول تدريجيا من مجتمع الاستهلاك المترف الى مجتمع الانتاج الفاعل.
ففي مجال الصناعة، تمضي حكومتي بخطى وطيدة ثابتة لدعم تصنيع ما نحتاج اليه، وتوفير الحماية له من المنافسة الاغراقية، شريطة التقيد بالمقاييس العالمية أو القريبة منها من حيث الجودة والكفاية والتنويع. وهذا يشمل الصناعات التحويلية في هذه المرحلة من تنامي اقتصادنا الوطني وبذل أقصى الجهود لقيام مشاريع عربية مشتركة تنفيذا لأهداف السوق العربية المشتركة والوحدة الاقتصادية والتكامل الاقتصادي العربي.
ولقد سـنت حكومتي عددا من القوانين والأنظمة لتوفير حوافز الاستثمارات المحلية المجزية والتأكيد على تطوير القوى البشرية الفنية القادرة على تحمل أعباء التمنية والتصنيع.
وان من دواعي اعتزازنا أن حكومتي تعمل على تنفيذ هذا البرنامج الطموح الهادف في اطار سياسـة مالية ونقدية صارمة ومنضبطة وصلت حد التقشف في الانفاق العام بسبب الظروف الاستثنائية التي نتجاوزها وذلك بترشيد الانفاق وعدم الانزلاق في البدائل السلهة التي عصفت بكثير من دول العالم النامي. فالتضخم استقر في أدنى مستوياته، كما ان الدينار الأردني حافظ على قيمته مقابل مختلف العملات العالمية الأخرى. كما ان القروض الخارجية الجديدة لاغراض التمنية انحصرت في أضيق الحدود وأشدها الحاحا، وأكثرها يسرا.
ولما كانت التنمية الاقتصادية والاجتماعية بحاجة الى رصد ومتابعة، فان حكومتي بصدد انشاء نظام معلومات شامل سواء في التعرف الى الموارد الطبيعية والمائية والمعدنية والبشرية واستكشافها على امتداد المملكة، أو في تتبع المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية على مستوى الأقاليم والقطاعات.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
ان حكومتي عاقدة العزم على تحقيق الهدف الأقصى من الاكتفاء الذاتي في مجال الأمن الغذائي الذي نعتبره في مقدمة أولوياتنا. ولقد وضعت الأنظمة والترتيبات لتمكين المستثمرين سواء أكانوا أفرادا أو مؤسسات من استغلال الاراضي الأميرية المعطلة عن طريق الاستثمار، وخاصة في المناطق الجنوبية والشرقية من البلاد التي ثبت وجود مياه جوفية وفيرة فيها، بالاضافة الى اختزان مياه الأمطار التي تذهب هدرا، لزراعة الحبوب على اختلافها، وكذلك الأعلاف التي توفر نموا كبيرا بحيث نتخطى الطبيعة وشح الأمطار في سنوات الجفاف، ولا نظل كما كانت الحال في الماضي رهن هذه العوامل الخارجية عن أرادتنا، وستضاعف حكومتي الجهود في مجال النهوض الاجتماعي والعمراني والخدمات الذي يعزز نوعية الحياة ومستواها في جميع الأقاليم دون استثناء وتحقيق الهجرة المعاكسة من المدن الى البادية والأرياف.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
لما كانت الطـرق الصالحة هـي الشريان الرئيسي الذي يربط القرى بالمدن، ومناطق الانتاج الزراعي والصناعي بمناطق التسويق والتصدير، فقد أولت حكومتي أهمية قصوى لاستكمال شبكة الطرق في المملكة نيفا وسبعة آلاف كيلومتر. كما ان حكومتي تعمل على انشاء ما يزيد على ألف ومائتي كيلومتر اضافية وتحسينها لخدمة حاجات النقل الداخلي والخارجي، كما تركز على صيانة الطرق وتأمين متطلبات السلامة العامة عليها. وقد عالجت حكومتي تنشيط قطاع النقل بالشاحنات التي كانت تعاني من ركود وتراجع، كما عملت على تأمين ورود البضائع من خلال ميناء العقبة لتوفير العمل لهذه الشاحنات، وتبلغ البضائع المستوردة عن طريق الميناء ثمانية ملايين طن أي بزيادة قدرها ثلاثون بالمئة من عام 1984، كما تقدر البضائع المصدرة منه بحوالي 8 ملايين طن، أي بزيادة 13% عن العام المنصرم. كما جرى توسيع طاقة نقل السكك الحديدية. وفي مجال النقل البحري تم توفير أرصفة متخصصـة وانشاء قاعدتين لخدمة الركاب. ويجري حاليا انشاء رصيف متخصص لمناولة مشتقات البترول.
وفي مجال النقل الجوي، تولي حكومتي مؤسسة عالية / الخطوط الجوية الملكية الأردنية عناية ورعاية خاصة بهدف تطويرها في مختلف المجالات لتظل هذه المؤسسة الوطنية سفيرا متجولا ناجحا يرفع العلم الأردني في شتى أنحاء الدنيا. كما تم انجاز مركز المراقبة الجوية الرادارية لتغطية الأجواء والممرات بشبكة رادار حديثة. أما في قطاع السياحة باعتباره من أهم مصادر الدخل القومي، فقد أعادت حكومتي النظر في الخطة الخاصة للسياحة، بحيث أصبحت تستهدف تحقيق نشاط أوسع وأكبر في مجالات السياحة المحلية والاقليمية والدولية، وذلك بتشجيع القطاع الخاص للاستثمار في هذا المجال على نطاق واسع، ومنح هذا القطاع كل التسهيلات والضمانات المطلوبة، وقد بدأ العمل من أجل انشاء ثلاث قرى سياحية خلال العام القادم في جبال عجلون وهضاب البلقاء ومنطقة وادي الأردن، وكذلك التوسع في اقامة المتنزهات والمراكز السياحية في مختلف المناطق وتطوير السياحة الصحراوية وتنشيطها.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
ان الطاقة هي عماد كل انجاز في مختلف ميادين التنمية والحياة الاجتماعية الرغدة، ويطيب لي أن أعرب عن سعادتي الغامرة اذ أبلغ مجلسكم الكريم بأن الطاقة الكهربائية أصبحت في هذه السنة متوفرة لمئة بالمئة من سكان المدن و 93% من سكان الريف في المملكة. وقد استمر العمل في بناء محطة كهرباء العقبة الحرارية، وهي احدى المحطات الرئيسية لتوليد الكهرباء في المملكة، وسيتم تشغيلها في منتصف عام 1986. وعملت حكومتي على تنفيذ برامج تستهدف حفظ الطاقة وترشيد استهلاكها وتحسين كفاءة استعمالها.
ويجري العمل حثيثا في حفر عشر آبار في حقل حمزة للبترول. ونأمل أن نستغل هذا الحقل بعد التأكد من جدواه في العام القادم. كما ان حكومتي سوف تردف هذا التنقيب بدعوة الشركات العالمية للاسهام في عملية التنقيب في مختلف أرجاء المملكة. وقد شرعت فعلا بالتفاوض مع تلك الشركات العالمية لاختصار الزمن وتكثيف عمليات التنقيب. كما تقوم حكومتي بتنفيذ العديد من الدراسات الجيولوحية والتنقيب عن المعادن والحرارة الجوفية ودراسات استغلال الصخر الزيتي بهدف انشاء محطة تقطير لانتاج حوال خمسين ألف برميل.
حضرات الاعيان، حضرات النـواب،
لقد أصبحت طفرة المواصلات ســمة هذا العصر ووسيلة التعامل به. ومن هذا الادراك دأبت حكومتي على تطوير الشبكات السلكية واللاسلكية والاتصالات عبر منظومة الأقمار الصناعية العربية والعالمية وتحديثها، وكذلك ربط الكابل المحوري وشبكة الاتصال الميكرووية بين المحطة الأرضية لرصد الأقمار الصناعية بالبقعة ومجمع الاتصالات الجديد بالعبدلي. وهنالك الربط الاقليمي الميكرووي المشترك بين عمان وبغداد وجمهورية مصر العربية بين العقبة والنويبع. وكذلك يجري العمل حثيثا في تنفيذ المقاسم الالكترونية الرقمية الحديثة، يضاف الى ذلك مشروع مقسم عمان المركزي الالكتروني الرقمي الجديد بسعة ثلاثة وثلاثين ألف رقم وتابع الالكتروني من منطقة العبدلي ومقاسم منطقة العبدلي ومقاسم مركزية الكترونية في الزرقاء ومادبا واربد وجرش مع أحد عشر تابعا الكترونيا جديدا بسعة مبدئية اجمالية قدرها 49000 رقم بنهاية هذا العام. ويشمل المشروع هواتف السيارات والهواتف اللاسلكية الثابتة المطلوبة لمشروع الانذار المبكر لمديرية الدفاع المدني في هذا العام.
وقد شرع في استثمار المحطة الأرضية الأردنية الخاصة بمنظومة الأقمار الصناعية العربية بهدف ربطها مع جميع الأقطار العربية الشقيقة التي أتمت انجاز محطاتها الأرضية، وكذلك مشروع الكابل المحوري العربي الاقليمي الذي يضم الأردن وسوريا والمملكة العربية السعودية مع مشروع الميكروويف الرديف لجنوب المملكة بما في ذلك المشروع الخاص بتحسين التغطية التلفزيونية لمدن جنوب المملكة وقراها كافة.
وسيتم البدء بمشروع تحديث الادارة الفنية للشبكات وخدمات المشتركين وتطويرها على أحدث النظم المتبعة في العالم وادارة المؤسسة على قواعد تجارية يشترك فيها القطاعان العام والخاص، كما فعلت دول متقدمة أخرى.
وقد حدث تقدم كبير في تعميم المراكز البريدية التي بلغت 772 مركزا، وهو معدل مرتفع بالقياس الى عدد السكان والمساحة الجغرافية للمملكة.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
ان حكومتي تقوم بتطوير تشريعات العمل وتحديثها بهدف ارساء علاقات عمل مستقرة بين طرفي الانتاج والمشاركة الايجابية الفعالة في عملية التنمية.
ونود ان نسجل بالاعتزاز التوسع الكبير الذي أنجز في تطبيق نظام الضمان الاجتماعي الذي نأمل أن ينخرط في اطاره جميع العاملين في الأردن، وكذلك العاملون الاردنيون الذين يعملون في خارج المملكة. ان تأمين العامل وتوفير الاستقرار له، هو حق مشروع نؤمن به ونؤكده، بالاضافة الى أن من شأنه أن يوفر له الحوافز التي تدفعه الى زيادة طاقاته الانتاجية المبدعة. وفي مقدمة المشاريع التي تعتزم حكومتي البدء بتنفيذها في السنة المالية الجديدة :احداث صندوق للمعونة الوطنية بنظام خاص يتم تمويله من جهات رسمية أهلية تطوعية، بغية تأمين حد أدنى من الدخل للفقراء، بحيث لا تظل في أسرتنا الأردنية الواحدة جيوب معوزة تفتقر الى حياة كريمة.
لقد تم عقد المؤتمر الأول للمغتربين الأردنيين هذا العام، وتم اتخاذ الاجراءات لتطوير ودعم دائرة المغتربين بوزارة الخارجية بما يكفل صـلة وصـل فعالة بين المغترب ووطنه الأم، وتذليل الصعاب التي يواجهها أبناؤنا العاملون في الخارج، سواء كانت اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية أو وطنية. فنحن نعتز بهؤلاء الأبناء الأعزاء وبانجازاتهم وبتمسكهم بولائهم لوطنهم الأردن، كما نقدر حرصهم على المشاركة في عملية تنميته ورفع شأنه. وقد قامت دائرة الأحوال المدنية بتسجيل أسرهم وتلبية طلباتهم بسرعة وفعالية.
حضرات الاعيان، حضرات النـواب،
لقد أكدت حكومتي الاهتمام بالسلطة القضائية تشريعا وقضاء واستقلالية وادارة وحصانة، باعتبار أن العدالة ركن أساسي في بنيان المجتمع الأردني. وتقوم حكومتي بزيادة عدد المحاكم في مختلف المحافظات ووضع القوانين التي تتعلق بعمل المحاكم، بما في ذلك مشروع قانون نقابة المحامين التي مر بمراحله الدستورية، ومشروع قانون أصول المحاكمات المدنية، ودراسة قانون أصول المحاكمات الجزائية، وقانون العقوبات، وقانون الاجراء، وقانون الكاتب العدل، ونظام التفتيش على المحاكم، للتيسير على المواطنين، وتطوير التشاريع الأردنية بما يتناسب وتطور العصر الحديث.
كما يجري الآن وضع مشروع قانون المعهد الوطني القضائي الذي سوف رفد القضاة والمحاماة بكفايات جديدة وفق أحدث المناهج والأساليب.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
لما كانت الصحة حق أساسي في حياة الانسان وحيث ان التنمية الصحية جزء لا يتجزأ من سياسة التنمية الاجتماعية والاقتصادية للدولة، فان حكومتي ستعمل على المزيد من التعاون والتنسيق المبرمج والاستراتيجية المشتركة التي تربط مختلف الوزارات والدوائر والمؤسسات التي لها علاقة بالصحة، ضمن خطة شاملة تقرها الدولة وتلتزم بها، ويكون هدفها النهائي تأمين الضمان الصحي للمواطنين كافـة. كما ان الرعايـة الصحية الاولية والوقائية، وخاصة في المناطق الريفية والنائية تحتل أولوية في اهتماماتنا من منطلق : ان الوقاية هي خير من العلاج، وخاصة في مراحل الطفولة الأولى، وسنتمكن بحول الله من انشاء مؤسسة علاجية وتطبيق التأمين الصحي الشامل.
أيها السادة الأعيان والنواب،
ان أهم عوامل ترسيخ مبادىء عقيدتنا السمحة وتعاليم الاسلام الحنيف، ان تستمر رسالة الوعظ والارشاد في الأداء السليم والأسلوب الحكيم، ليوضع كل من العالم والواعظ والامام مباشرة أمام مسؤوليته في توجيه الناس، وتنمية معاني الخير والفضيلة في نفوسهم، وقيامه بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في حرية الكلمة المسؤولة والوعظ المؤثر الفعال، في اعتدال واتزان، ووسطية وايجابية، في انفتاح لا انغلاق، وتيسير لا تعسير، وتبشير لا تنفير. ومن هنا كان لا بد من أميرين :
أولا:- تأهيل الوعاظ، ولذلك أنشأت وزارة الأوقاف مركزا لتأهيل الوعاظ وتثقيفهم وتنمية معارفهم وتبصيرهم بالتغيرات العالمية والظروف الاجتماعية والسياسية وادراك طبيعة المناخ الذي تعيشه الأمة.
ثانيا:- وضع القواعد التشريعية اللازمة لضبط الانفلات والمغالاة والخروج عن أسلوب المخاطبة الناجعة والتبصر الهادف. وهذا ما ستتقدم به حكومتي لمجلسكم الكريم في دورته العادية هذه.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
لقد حقق الأردن انجازات واسعة في جميع مرافق الحياة في اطار متوازن يشمل جميع قطاعات الوطن والمواطنين وحاجاتهم. ولقد اعترف بهذا الانجاز الكبير، البعيد قبل القريب، والعدو قبل الصديق، والمؤسسات المتخصصة الدولية التي لا تقر المجاملة أو المحاباة، بحيث أصبح الأردن في مقدمة دول العالم النامي، ومثلا يحتذى به في مختلف الميادين.
لقد تم ذلك كله رغم شـح المـوارد وقلة الامكانات وبفضل توجهات الدولة الحكيمة، وطاقات المواطنين وكدهم وطموحاتهم التي تتطلع وتعمل على الدوام، لتحقيق المجتمع الأفضل الذي نفاخر له سائر الشعوب. فالثروة الحقيقية تكمن في القوة البشرية القادرة المؤهلة. ولقد كان الاستقرار الأمني الذي حرصنا على صيانته بتعاون جميع المواطنين، والحوافز المجزية التي أطلقت طاقات هذا الشعب من عقالها، أكبر الأثر فيما تم انجازه حتى الآن. ولكننا – أيها المجلس الكريم – لن نضيع لحظة واحدة من الوقت في التفاخر بما أنجزنا، وانما سنعتبر ما تم قاعدة انطلاق الى آفاق جديدة من علو الشأن ومزيد من الانجازات.
واذا كنا في هذه المرحلة الآنية نعاني من تراجع مؤقت في مداخيلنا المالية بسبب ظروف قاهرة تعم المنطقة بأسرها، فان هذا يجب أن يضاعف من عزائمنا ولا يعوق انطلاقنا أو يضعف ثقتنا بحاضرنا ومستقبلنا. وهنا لا بد لنا من التأكيد اننا نعيش في عصر التكتلات الكبرى التي لا مجال فيها للأقطار الصغيرة المتباعدة، فالتكامل الاقتصادي العربي الذي اتفقنا على تطبيقه في مؤتمر قمة عمان سنة 1980 يجب أن يترجم عمليا على خارطة الواقع، لان كل قطر عربي ضعيف في انفراده، قوي في الاتحاد والتكامل مع أشقائه : انتاجا وتسويقا ومنعة وقوة.
حضرات الأعيان، حضرات النـواب،
ان للأردن دورا تاريخيا وقوميا يجب أن يؤديه لنفسه ولأمته العربية. ونحن عاقدون العزم على أداء هذا الدور، منطلقين من مبادىء الثورة العربية الكبرى الذي كان هدفها توحيد العرب وبناء قوتهم، وبعث تراثهم الخالد، والانطلاق منه ومن منجزات الأمم الاخرى لنعاود المسيرة في اغناء الحضارة الانسانية، وتقويم مسارها، والارتقاء بأمتنا العريقة الى مصاف القوى الفاعلة في العالم.
وسيتم ذلك بعون الله بمتانة نسيجنا الوطني والقومي، وتجاوز النزاعات التي عصفت بكثير من أقطار هذه الامة، وأنهكت قواها دون سبب معقول أو مقبول. وان مجلسكم الكريم لقادر على أداء دوره الكامل في جميع الميادين الوطنية والقوية. وسيظل تعاون مؤسساتنا الدستورية وتماسك نسيج مجتمعنا على أسس من الخير والمحبة والتسامح العماد الرئيسي في تحقيق ما نصبو اليه من أهداف كبرى على المدى القريب والبعيد.
وفقنا الله وسدد خطانا على طريق الرشاد.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته،