خطـــاب العـــرش السـامـي لسنة 1963
الحســين بــن طــلال
في حفلــة افتتاح الدورة العادية الأولى
لمجلـــس الأمــة الأردني الثامن
بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسوله العربي الأمين
حضرات الأعيان ، حضرات النواب ،،
باسم الله ، نفتتح هذه الدورة غير العادية لمجلس الأمة الأردني الثامن .
في هذه اللحظات ، التي نبدأ فيها مرحلة جديدة ، من الحياة الديمقراطية في اردننا العـزيز ، ونهم باجتياز شوط اخر ، في مسيرنا القومي المبارك ، لبناء بلدنا ، وخدمة امتنا ، نتوجه بالحمد والشكران ، الى العلي القدير ، اذ لم يجعل ، سبحانه ، البدء في عبور المرحلة واجتياز الشوط ، حقيقة واقعه فحسب ، وانما أهدى الينا من العزم ، وأودع في قلوبنا من الاخلاص ، ما يجعلنا نتطلع ، في هذه اللحظات ، إلى اجتياز مراحل وأشواط مقبلة كثيرة تحمل لنا ، أسرة واحدة ، في هذا البلد ، وأمة ماجدة ، في الوطن العربي الكبير ، المزيد من الخير والقوة ، وتضعنا جميعاً على الدرب الصحيح ، الموصلة لأهدافنا القومية ، وآمالنا الكبار.
ويطيب لنا ، ونحن نهنئكم ، على ثقة إخواننا ، أعضاء الأسرة الأردنية بكم ، ان نعرب عن اعتزازنا الصادق ، بما تحقق في الانتخابات النيابية الأخيرة ، من تفاعل خير مبارك ، بين وعي اسرتنا الصحيح ، وحرص المسؤولين على حمل الأمانة بشرف ونزاهة وإخلاص.
حضرات الأعيان ، حضرات النواب ،،
لقد كان الاردن ، منذ نشوئه ، القاعدة القومية ، التي اتخذت منها الثورة العربية الكبرى ، مرتكزاً رئيسياً لها ، لاستئناف انطلاقها ، نحو تحقيق اهدافها ، في الحرية ، والوحدة ، والحياة الافضل فهو لذلك كان من البداية ، النقطة التي تجمعت فيها ، تلك العناصر التي حملت راية الكفاح من اجل الحرية ، ونذرت نفسها في سبيل الظفر بالاستقلال ، كذلك فقد التقت من حولها ، الأماني الوطنية ، والأهداف القومية التي بلورها الكفاح العربي الطويل وحملتها الرسالة العربية المقدسة ، في العصر الحديث.
والثانية : ان المثل الذي ابتناه الأردن ، ويبتنيه ، في كفاحه من اجل تحقيق الرسالة القومية ، يجب ان يغنى ، ويقوى ويشتد ، في كل مجالات الحياة وميادينها في ربوع الوطن العزيز.
ولأن المواطن هو العدة الحقيقية ، لاي جهد خير ، وهو المصدر الحقيقي لكل قوة باقية ، ولانه هو الذي يصوغ المثل بعرقه ، ودمه ، فلسوف تعنى الحكومة كل العناية ، بكل عضو من اعضـاء اسرتنا ، ليكون منه ذلك الانسان الحق الذي يجعل من بلده مثلا لكل بلد ، في الحرية وممارستها ، وفي الحكم ومفهومه ، وفي تطوره واصالته ، وكفاحه القومي وايجابيته.
ولأن السعي لبناء الوطن وخدمة الامة ، يجب ان ينطلق من بناء المواطن ، وخدمته ، فلسوف تحرص الحكومة على صون الحريات الايجابية والحفاظ على مؤسساتها الديمقراطية ، بتمكين الفرد والمؤسسة من ممارسة قدرتهما الفاعلة ، ممارسة كاملة ، في اطار السلامة العامة ، والسير القومي الصحيح.
ان المستوى العلمي الرفيع الذي حققه الأردن لأبنائه خلال السنوات الماضية ، سيكون في طليعة ما تعمل الحكومة على تحسينه وتقويته ، ولسوف تجهد الحكومة الجهد كله ، وهي تحقق لاجيالنا الصاعدة ما تحققه من خدمات ، ان تحمي هذه الأجيال ، من كل ما ينحرف بطاقاتها الهائلة ، وإمكاناتها الضخمة ، عن سبيل العلم الصحيح ، والتربية القومية ، والشعور الوطني الأصيل ، فأجيالنا تلك ، هي العدة التي نهيؤها لامتنا من اجل حياتها المقبلة ، ومعاركها القادمة ، وهي الأمل الذي نصونه للغد العربي المرتجى ، والمستقبل الموعود.
كذلك فان الطمأنينة الاجتماعية ، والرفاه الاقتصادي اللذين قطع الأردن فيهما ، خلال هذه السنين شوطاً كبيراً ، سيظفران من حكومتي ، بأوفر عناية ، واكبر نصيب ، ولسوف تجهد الحكومة للوصول بالعطاء المشترك ، للعامل ، والفلاح ، والتاجر ، إلى المستوى الذي تحتاجه عمليه اغناء المثل الذي نصوغه لحياة أفضل فوق هذه الأرض وهي لذلك ستواصل توزيع اراضي الدولة على المحتاجين من أبناء أسرتنا ، القادرين على نشر المزيد من الخضرة والبركة في ربوعنا الغالية . مثلما ستمضي في انجاز مشاريع المياه ، بحيث يؤمل ان تواجه حاجات المدن في مملكتنا مواجهة ثابته ومنظمة في وقت قصير ، وستستمر في انجاز مشروع سحب مياه الازرق الى اللواء الشمالي بحيث يؤمن الماء لكل بيت في اكثر من اربعين مدينة وقرية . كذلك ستمضي الحكومة في تنفيذ مشروع اليرموك الكبير ، الذي سيكفل ماء سد المقارن فيه حجز اكثر من 475 مليون متر مكعب من الماء ، تستغل لري الاراضي الواقعه في منطقة الغور والتي تقدر بحوالي 475 الف دونم من الاراضي الزراعية ، ولاقامة محطتين لتوليد الطاقة الكهربائية الاولى عند موقع السد في المقارن، والثانية في منطقة وادي العرب ، وتنتج الاثنتان معاً ما مقداره (62.000) كيلوواط من الكهرباء ، كذلك ستمضي الحكومة في حفر الآبار الارتوازية ، واقامة السدود على الوديان الجانبية ، لمواجهة حاجات السكان ومعالجة حالات المحل والجفاف في سائر المناطق.
وفي اطار الحرص على حق العامل وكرامته ، والعمل على توفير اسباب الطمأنينة الاجتماعية له فقد قدمت الحكومة لمجلسكم الكريم تعديل قانون العمل والعمال ، كما ستعنى كل العناية ، بتطوير الصلة الخيرة التي تربط العامل وصاحب العمل ، بحيث ينطلق الاثنان معاً في موكب واحد ، يبني ويشيد للأردن ، وللعرب ، ومن غير حاجة الى اسماء ، ولا الى شعارات.
وستمضي الحكومة في تشجيع الحركة التعاونية وتنفيذ مشاريع التنمية الاقتصادية بحيث تحقق بتجاوب الأسرة الأردنية ، وباستعدادها الطوعي للتضحية ، ومواجهة الصعاب ، مرحلة الاكتفاء الذاتي لبلدنا الغالي ، وتحقق بينه وبين البلاد العربية الشقيقة ، والتكامل الاقتصادي المنشود ، والحكومة لذلك سوف لا تكتفي بدعم مشاريع انتاج الفوسفات والبوتاس والنحاس وانما ستعمد الى اتخاذ الخطوات السريعة والكفيلة ، بإخراج الصناعات الكيماوية الى حيز الوجود ، كذلك ستولي الحكومة فائق عنايتها لاعمال التنقيب عن البترول ، والبحث عن المعادن ، وبصورة تكفل الوصول الى نتائج حاسمة في وقت قريب.
اما قواتنا المسلحة ، التي استحقت منا ومن العالم أجمع ، كل اعجاب واعتزاز وتقدير ، فستمضي الحكومة في بناء قوتها البناء المحكم الصحيح ، لتظل درع الوطن والامة ، في وجه ما يتهددهما من شرور واخطار ، وبالإضافة الى ما انجزته الحكومة في مجال تدعيم قوتنا العسكرية ، بما زودت به القوات المسلحة من معدات واسلحة حديثة تقفز بمستوى الاستعداد والتجهيز في قواتنا قفزة هائلة ، فستستمر الحكومة في عنايتها بسائر شؤون التسليح والتنظيم لقواتنا المسلحة ، وأملنا ان يمكننا إدراك الاشقاء العرب لحقائق الامور بعد كل الذي وقع ويقع في عالمنا العربي ، وبعد ان عرف الاشقاء حقيقة الدور الذي يؤديه هذا البلد وقواته المسلحـة ، لاشقائه ، املنا ان يمكننا كل ذلك من الاستعانه بمصادر التمويل في الوطن العربي ، لا سيما ونحن نقف في الاردن ، لندفع عنهم الاذى ، ونرد المكاره ، وبذلك يستطيع هذا البلد ان يكون اكثر قدرة في الدفاع عن امتنا واكثر قوة في وقوفه في وجه اعدائها الطامعين .
حضرات الأعيان ، حضرات النواب ،،
اذا كانت الرسالة العربية ، في مفهوم هذا البلد ، وفي وعي ابنائه ، لا تكتسب قيمتها الحقيقية ، في أي جانب من جوانبها ، ومن خلال أي هدف من اهدافها ، الا باسترداد الحق العربي المغتصب في فلسطين، فان من حق هذا البلد ، ومن حق كل مواطن فيه، ان يعتز بان جهده العام ، منذور كله من اجل ذلك الحق ، ومكرس كله في سبيل استرداده.
لقد اقام الاستعمار في قلب وطننا العربي قاعدة له ليتخذها وسيلة لضرب امتنا ، اذا ما قدر لخيرات هذه الامة التي يستغلها ابشع استغلال ، ان تنضب او تنقطع ، او اذا ما توصلت امتنا الى مركز القوة الذي يمكنها من ان تقول كلمتها العادلة ، بشجاعة وبساله ، كلما تريد .
والتقت ، في تلك القاعدة ، مخططات الاستعمار ، مع نوايا الصهيونية في التوسع والانتشار ، على حساب الامة العربية والوطن العربي اجمع ، ووقفنا ، نحن في هذا البلد ، منذ البداية ، نحذر من تلك المخططات ، وننبه الى تلك النوايا ، ونستصرخ شرف الاخوة ، وصلة القربى، ان تقدر دفاع هذا البلد عن إخوته ، وتصديه ، لحماية أشقائه ، ثم وقفنا وناشدنا إخواننا ان يذكروا فلسطين ، وقد رأينا ريح الفرقة تعمل في صفوفهم ، لتباعد لا بين البلد والبلد فحسب ، وانما لتمزق وحدتهم الوطنية في حدود البلد الواحد ، ما لم تتستر المزق وراء الكبت والبطش والطغيان ، نعم ، لقد ناشدناهم ان يذكروا فلسطيننا الحبيبة ، وان يرتفعوا بها فوق مستوى خلافاتهم ، وينأوا بقدسية حقنا فيها عن العداوات والمنازعات ، وان يبتعدوا بالامانه الملقاة على عواتقهم عن مستوى المتاجرة والانتهازية . وإذا كان قد آلمنا ما لقيته دعواتنا المتكررة لهم حتى اليوم ، فان أملنا ليقوى الآن ويشتد ، في ان يتنبه الأشقاء الى كل ما نبهنا اليه ، وان يلتقوا جميعاً من حول فلسطين ، حتى يكون في ذلك التقاء مع بلدنا العزيز الذي سيظل عدتهم ، وطليعة صفوفهم لاسترداد الحق السليب في الوطن السليب.
وان أملنا ليقوى الان كذلك ويشتد ، في ان يذكر الأشقاء أن الواجب القومي هو فوق كل حق شخصي في هذا الوجود ، وان الرسالة العربية ، يجب ان تعلوا عند كل من يتصدى لخدمتها وحملها ، فوق كل اعتبار تمليه المصالح الذاتية والأنانية ، وانه أن كان قد كتب عليهم ، ان يتفرقوا يوماً او بعض يوم ، ليتسببوا بضياع الكثير وفقدان الكثير بسبب هذه الفرقة وهذا الانقسام ، فان مصير امتنا المشترك ، وغدها الذي يجب ان يحمل الخير والمنعة لاجيالها المقبلة ، كل ذلك ، يحتم عليهم ، ان ينبذوا اهواءهم ، ويتجردوا من اطماعهم ، ويثوبوا الى رسالتهم ، ينذرون في سبيل تحقيقها المهج والأرواح ، ويدخرون من اجل بلوغها ، كل ذرة من طاقة خيرة ، وكل نقطة من دم طهور.
حضرات الأعيان ، حضرات النواب ،،
اما في المجال الدولي ، فنحن نقف بكل قوانا إلى جانب حق الشعوب في تقرير مصيرها والظفر بحريتها واستقلالها ، وضد الطغيان والعدوان من أي مصدر جاء ، وستظل علاقاتنا الدولية تقوم على أساس المساواة ، والاحترام المتبادل ، والتعاون المشترك ، صديق امتنا صديق لنا ، وعدوها عدونا لا نترخص في مبدأ ولا نتهاون في حق ، وسنبقى أوفياء لشرعة الأمم المتحدة ومبادئ حقوق الإنسان أمناء في دعوتنا لتطبيق تلك الشرعة وهذه المبادئ ، في معالجة سائر القضايا والمشاكل الدولية .
حضرات الأعيان ، حضرات النواب ،،
ان علينا جميعاً ان نجهد لنرى المعاني والقيم التي تتمثل في كوننا اسرة واحدة في هذا البلد ، تزداد عمقاً ورسوخاً ، ويزداد معها حرصنا على ان تنعكس حقيقة الاسرة الواحدة التي نحياها ، بكل قيمها ومعانيها ، على كل خطوة من خطواتنا ، وكل لحظة من لحظات سلوكنا في هذه الحياه.
واننا ونحن نفتتح هذه الدورة لمجلسكم الموقر ، لنتطلع الى عهد جديد ، يشارك فيه اعيان الامة ونوابها ، المواطن والمسؤول من ابناء اسرتنا ، في حمل الامانه ، واداء الخدمة ، مثلما نتطلع الى قيام التعاون الكامل والانسجام التام بين السلطتين ، التشريعية والتنفيذية ، بحيث يتحقق لبلدنا ، كل ما تتطلبه المرحلة الدقيقة التي تجتازها امتنا ، من عزم ، ومضاء:
وبالجهد الشريف ، والتضحية النبيلة، والوعي الصادق ، سيظل الاردن ، في طليعة الركب العربي، المناضل في سبيل توفير الخير لابنائه ، والمكافح من اجل تحقيق الحرية والوحدة ، والحياة الافضل.
والله نسأل ، ان يسدد خطواتنا ، ويوفقنا لبناء بلدنا ، وخدمة امتنا
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ،،،