خطاب العرش السامي
للمغفور له جلالة الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه
في افتتاح الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الأردني الثامن
٢ تشرين الثاني ١٩٦٣ ميلادية
بسم الله، والصلاة والسلام على رسوله العربي الأمين،
حضرات الأعيان،
حضرات النواب،
باسم الله، والعروبة، نفتتح هذه الدورة العادية الأولى لمجلس الأمة الأردني الثامن.
ونحمد العليّ سبحانه، لكل ما مَنّ به علينا، ونشكره وهو القدير، على ما منحَنا من
حبّ لأسرتنا الكبيرة، ووفاء لأمتنا الماجدة، وتصميم على خدمتهما وتحقيق أهدافهما
القومية السامية.
ونحيّيكم، في مستهل هذه الدورة لمجلسكم العتيد، سائلين الله لكم التوفيق في مهمتكم، ومتمنين لكم النجاح في تحقيق رسالتكم لخدمة بلدنا العزيز.
حضرات الأعيان،
حضرات النواب،
لكَم يسعدنا أن تكون مناسبة هذا اليوم، ككل مناسبة مثلها سبقت، مَظهراً أصيلاً للحياة الحرة الكريمة التي يحياها بلدنا، وتعبيراً صادقاً عن الديمقراطية النامية في أرجائه. وما كان لبلد، كبلدنا، أن يعرف لنفسه أو لأبنائه حياة غير تلك الحياة، وما كان لنا، ونحن الأسرة الكبيرة الواحدة، أن نقبل لأنفسنا غير هذا النمط من الحكم الدائم الموصول.
فلقد أُريد لبلدنا، منذ أن أنشأه بُناته وأقاموا كيانه، أن يكون المنطلقَ الأمين الذي تستأنف منه الثورةُ العربية اندفاعها، في سبيل تحقيق أهدافها العظيمة للأمة العربية، في الحرية والوحدة والحياة الأفضل. ومنذ مرحلة نشوئه الأولى، في مستهل هذا القرن، كان الأردن موئلَ الأحرار، ومنتجَع الوحدويين، ومثَلَهم لما ينبغي أن تسير عليه حياة الإنسان العربي، في تطورها الهادف وتقدمها الرصين.
ولم يكن بدّ من أن يتوفر في كيان الأردن نفسه، وأن ينعكس على مضمون الحياة فوق أرضه، وتحت سمائه، كل ما ينشد الأردنُّ تحقيقه لأمته الخالدة، من أمانٍ وأهداف، وكل ما يجهد لبلوغه، في رحلته الجريئة، من مبادئ ومُثل.
فلقد عاش أبناؤه أحراراً منذ أن رَفعت سواعدُهم علَمَهم الأبيّ فوق أول سارية، وعرفوا كيف يدفعون بنفسهم دوماً إلى كل ما هو أفضل وأحسن منذ أن هوت معاولهم لأول مرة على الصخر، يفجرونه نوراً يضيء دروبهم، وعطاءً يملأ حياتهم بالخير والبركة. وعندما تعانقت أشواقهم قبل خمسة عشر عاماً، مع أشواق إخوانهم على الضفة الأخرى من النهر المبارك، وتلاقت إرادتهم واتّحدت عند ذلك الهدف الجليل والحلم القومي، عرفوا كيف يصوغون من ذوب قلوبهم، أروعَ مَثل للوحدة الحقة شهدَه تاريخُ أمتنا الحديث.
تلك حقائق تنجلي بسطوع وإشراق، لكل مَن كان همُّه البحث عن الحقيقة والعثور عليها. وهي تبدو كذلك، عند أول نظرة في سلوك بلدنا سنةً بعد سنة، أو استعراضٍ لسيرته عاماً بعد عام. ولقد عمّق في صفاء تلك الحقائق وروعتها، أنها بمثل ما كانت تنبع من ضمير المواطن ووجدانه، فلقد كانت تضيء في وجدان المسؤول وضميره، وتهدي خطواته، خطوة بعد خطوة، في الليل والنهار.
حضرات الأعيان،
حضرات النواب،
لعلّ ما تمخضت عنه المرحلة الحاضرة من حياة أمتنا من أحداث – كم تمنّينا على الله أن يجنّب أمتنا شرورَها وأذاها- قد زاد في وضوح تلك الحقائق وأصالتها، وكشف عنها كلَّ ما أراد البطل أن يلقيه عليها من ظِلال وأستار. وإذا كنا نأسى لما ألمَّ ببعض صفوف أمتنا من فرقةٍ وخلاف، وما أصاب سيرَها من عوج والتواء، فإننا نؤمن أن مرارة التجربة التي تمر بها هذه الأمة، ستدفع بأبنائها إلى الخروج منها وهم أكثر صحةً وعافية، وأوفر قدرةً على مواصلة انطلاقهم نحو بلوغ أهدافهم، مثلما نؤمن أن عبرة تلك التجربة ستزيد من وعي أسرتنا وإيمانها القومي، وتضاعف من عزمها على المضيّ قدماً لبناء وطنها، وتحقيق رسالة أمتها في الحرية والوحدة والحياة الأفضل.
ذلك في يقيننا، ليس زاد الإنسان العربي لرحلة المستقبل وعدّته لمسيرته فحسب، وإنما هو سبيل ذلك الإنسان للظفر بأقدس غاياته وتحقيق أنبل واجباته، ألا وهو استعادة الحق المضاع في فلسطيننا الحبيبة، واسترداد الكرامة المهدورة في فردوسنا السليب.
حضرات الأعيان،
حضرات النواب،
في خلال هذه المفاهيم الحقّة، نما الحكم الديمقراطي في بلدنا الغالي وترعرع، وفي حدود هذه القواعد الأساسية، كانت سياستنا العامة تعمل وتتحرك، ولعل مطابقة الحكم لحقيقة تلك المفاهيم، والتزام السياسة العامة بمعنى تلك القواعد، وما كان يلقاه كلُّ ذلك من أبناء أسرتنا، من تجاوب واعٍ، وتضامُن صادق، وما كان يقترن به من إيمان أبناء هذه الأسرة بأنفسهم ووطنهم ورسالتهم، هو الذي دفع ببلدنا إلى ما يبلغه من أمن واستقرار، ويسّر له تحقيق ما حققه من تقدم وازدهار.
من هنا، فإن حكومتي ستسير في سياستها على ضوء تلك الحقائق والقواعد في الميادين الداخلية والعربية والدولية على حد سواء.
ففي الميدان الداخلي، ستظل خدمة المواطن وصون حقوقه وبناء الوطن القاعدةَ الأساسية التي تَصدر عنها الحكومة في كل خطوة من خطواتها، في إطار الحرص على وحدة الأسرة الأردنية وسلامة كيانها، ودفعها نحو المزيد من الكفاح القومي الهادف القادر.
ولأننا نؤمن أن تحقيق الأماني وبلوغ الأهداف لا يتم إلا لمجتمع حرّ سليم واعٍ، فإننا نؤمن كذلك أن المواطن لن يستطيع أن يكون تلك اللبنةَ القوية في بناء ذلك المجتمع، والقوة الحافزة له للسير إلى الأمام، ما لم تتوفر له حياة حرة كريمة يحياها بإيجابية مستمرة، ويتفاعل، من خلالها، مع سائر أعضاء الأسرة، ذلك التفاعلَ الخير الصادق، الذي يشدّ الجميع إلى الغاية الوطنية السامية، ويدفعهم إلى الهدف القومي الجليل.
وفي هذا المجال تحديداً، يسرّنا أن ننوّه بمكاسب بلدنا ومنجزاته، بمقدار ما يسعدنا الإعراب عن عزمنا، أسرةً واحدة، على تحقيق المزيد من ذلك كله، مما ينتظرنا على دروب الغد، وطريق الكفاح المقبل.
ففي الحقل الاقتصادي، استمرّ مجلس الإعمار الأردني ووزارة الاقتصاد بالدراسات التخطيطية والخطوات التنفيذية لإتمام المراحل المقبلة من مشروع السنوات السبع. ويشتمل ذلك على دراسات المرحلة الثانية من مشروع اليرموك الكبير بعد أن أنجز المجلس مرحلتها المهمة الأولى، والدراسات المتعلقة بالبحث عن النحاس وسائر المعادن. ولقد تمت دراسات التحري عن الفوسفات في وادي الحسا وقُدِّر الموجود الأوّلي منه بثلاثين مليون طن، تُعتبر من أجود أنواع الفوسفات في العالم، وأصبح من المنتظَر المباشرة باستغلال تلك المنطقة سنة 1964، وهي السنة التي سيباشَر فيها بفتح الطريق المهمة الموصلة بين غور الصافي وميناء العقبة بعد أن فرغ المجلس من إعداد الدراسات اللازمة لها. كذلك تسير المشاريع العديدة التي يموّلها المجلس سيرَها الحثيث، وفي طليعتها مشروع تزويد اللواء الشمالي بمياه الأزرق، ومشاريع المياه في لواء القدس، ومشاريع السياحة والآثار، وقناة الغور الشرقية، وإنشاء السدود على الوديان الجانبية.
ويسرنا أن نشير إلى ما يُبذل من جهود للبحث عن البترول، وأن نعرب عن أملنا في أن تسفر المفاوضات التي يجريها المجلس مع عدد من الشركات العالمية، عن أفضل النتائج.
ومن أجل التعريف على الأردن اقتصادياً وسياحياً في العالم الخارجي، فقد قررت الحكومة الاشتراك بأربعة عشر معرضاً عالمياً، منها معرض نيويورك الدولي الذي سيقام عام 1964-1965. واستمرت جهود الوزارة تكمل جهود المواطنين لتحقيق المزيد من المنجزات في حقل التصنيع، فتم تأسيس شركة للألبان، وأخرى لصناعة الورق المقوّى تسهم الحكومة في 10% من رأس مالها، وكذلك إنشاء صناعات متعددة أخرى. وأتمت وزارة الاقتصاد عقد مجموعة من الاتفاقات الاقتصادية مع عدد من الدول الشقيقة والصديقة من بينها: المملكة العربية السعودية، وإيران، وأثيوبيا، والهند، ويوغسلافيا. كذلك قد تم تأسيس البنك المركزي ليكون إحدى الدعامات لاقتصادنا الأردني النامي ونهضتنا الاقتصادية المباركة.
وفي الحقل الزراعي استمرت الجهود لتحسين أوضاع المزارع وتطويرها. فلقد تم إنشاء وتجهيز مختبرات للأمراض والحشرات الزراعية وفحص التربة ومياه الري والبذور والكيمياء الزراعية. كما تم تأسيس عدد من المراكز التي تمد المزارعين بالخبرة والكفاءة في مجال العناية بالثروة الحيوانية وزيادة طاقتها الإنتاجية.
وبدأت الوزارة كذلك بتنفيذ مشاريع التحريج لإسعاف الجنوب، كما تُعِدّ العدّة لتوسيع المناطق الحرجية هذا الموسم في سائر أنحاء المملكة. وإلى جانب ذلك، فقد استمرت مؤسسة الإقراض الزراعي بمدّ المزارعين بالقروض المالية لاستصلاح الأراضي وتعميرها وتشجيرها، وإقامة مشاريع الري الفردية، وتحسين الوسائل الزراعية والمرافق العامة. وفي المدة الواقعة بين 1/9/1962 و31/8/1963 أمدّت المؤسسة المزارعين بمبلغ (887.582) ديناراً بالإضافة إلى مبلغ 112.900 ديناراً قُدمت كقروض للاتحاد التعاوني المركزي لتوزيعها كقروض موسمية عن طريق الجمعيات بغيةَ تشجيع الحركة التعاونية في البلاد. وأتمت سلطة قناة الغور الشرقية إنشاء القناة بطول سبعين كيلو متراً، وبذلك أصبحت مساحة مئة وعشرين ألف دونم من أراضي الغور الشرقي تُسقى من مياه اليرموك. وبلغ ما تم إنفاقه على هذا المشروع حتى الآن حوالي خمسة ملايين دينار. ووَزعت السلطة على المزارعين الأردنيين 1750 وحدة زراعية، مثلما شرعت السلطة بإنشاء سدّ وخزان وادي زقلاب بالتعاون مع سلاح الهندسة الملكي في قواتنا المسلحة، كخطوة إيجابية لإنشاء سدود مماثلة على الأودية الجانبية.
وفي مجال التربية والتعليم، استمرت الجهود لتوفير المعرفة لأبناء أسرتنا الأردنية وبناتها. فتم فتح خمسين مدرسة جديدة في مختلف الألوية ليصبح عدد المدارس الحكومية 1360 مدرسة تضم أجنحتها 238.143 طالباً وطالبة، ولتبلغ نسبة الطلاب في المملكة إلى عدد السكان 17.8%، وهي أعلى نسبة بين سائر دول الشرق الأوسط حتى الآن. وبموجب قانون مؤقت تم إصداره، فقد تولت الوزارة شراء حق تأليف الكتب المدرسية وطبعها وتوزيعها على طلاب المدارس الحكومية بالمجان، وبيعها بسعر الكلفة لطلاب المدارس غير الحكومية، مما يحقق للمواطنين وفراً سنوياً مقداره 367 ألف دينار.
وبعد أن ثبّتت جامعتنا الأردنية أقدامها في أرضنا الطيبة، أخذت تنشر ألوية الضياء والنور في ربوعنا شيئاً فشيئاً، فتقرر إقامة كليتين للتجارة والعلوم بالإضافة إلى كلية الآداب التي باشرت عملها في العام الماضي. وستستمر الحكومة ببذل الجهود الصادقة للعناية بكل طالب وطالبة من أبناء أسرتنا، انطلاقاً من إيماننا بأنهم هم عدّة المستقبل الموعود لوطنهم، ولأمتهم، ولرسالتهم القومية الكبرى.
واستمرت سلطة السياحة ودائرة الآثار في تنفيذ المشاريع وإنجاز الخطوات التي تحتاجها الحركة السياحية في سائر المجالات. فتم إصلاح الكثير من الآثار الثمينة والمقامات الإسلامية، وإنشاء الاستراحات والوحدات الصحية. وقد انعكست آثار ذلك كله على المواسم السياحية المختلفة، بحيث بلغ عدد القادمين إلى المملكة خلال سنة 1962 نحو (210) آلاف زائر، ومن المنتظَر أن يزيد عدد القادمين إلى الأردن خلال هذا العام عن (300) ألف سائح وزائر.
ولمواجهة الحاجات الناجمة عن توسع الحركة السياحية وازدهارها، فقد مضت الحكومة في تشجيع إقامة الفنادق الكبرى في المملكة، فأسهمت بأكثر من مليون دينار في إنشاء فندق الأردن في عمّان، والفندق الكبير في القدس، وفندق العقبة، هذا بالإضافة إلى مبلغ (400) ألف دينار دفعتها الحكومة كقروض لأصحاب الفنادق السياحية.
أما في حقل الصحة العامة، فقد تابعت وزارة الصحة أعمال استئصال الملاريا من معظم أنحاء المملكة، وأنجزت وبدأت بإقامة عدد من المستشفيات الجديدة، وإضافة عدد من الأجنحة الضرورية للمستشفيات القديمة. ومع مضيّ الوزارة في مكافحة التراخوما، فهي تعدّ العدّة لتأمين مليون جرعة من المطعوم اللازم لمكافحة شلل الأطفال.
وإلى جانب ما قامت به وزارة الداخلية في مجالات الأمن والإدارة والبلديات، فقد اتخذت الوزارة إجراءات فعالة لإسعاف المواطنين في المناطق المصابة بالجفاف، فخصصت العدد اللازم من الصهاريج لتزويد القرى العطشى بالمياه، ووزعت كميات مجانية من الحنطة على المتضررين والمحتاجين، بالإضافة إلى كميات أخرى من علف الحيوان وزّعتها الوزارة على أصحاب المواشي في سائر الأنحاء.
أما وزارة الأشغال العامة، فقد أتمت إنشاء أبنية المقاسم الآلية في القدس وإربد وأريحا وعدد من القاعات والمشاغل والهياكل لمدارس البنات والبنين ودور المعلمين والمعلمات، مثلما أتمت بناء مؤسسة للطعوم والأمصال وإتمام أجنحة عدد من المستشفيات في المدن المختلفة. كذلك، فقد أتمت الوزارة بناء ميتم أردني ومركز اجتماعي ريفي في الفحيص، وفتح وتعبيد وتزفيت العديد من الطرق المهمة.
ومضت وزارة المواصلات في تحسين الخدمات البريدية في المملكة، فأنشأت (8) دوائر و(227) شعبة بريدية في قرى الألوية، وأدخلت العديد من وجوه التحسين على الخدمات الهاتفية ووسائلها. وعمدت الوزارة إلى رصد مبلغ (600) ألف دينار لإعادة تسيير الخط الحجازي، وقد تمت إحالة العطاء على إحدى الشركات العالمية التي يُنتظر أن تبدأ عملها على الفور. كذلك فإن العمل مستمر لتوسيع ميناء العقبة وزيادة قدرته على استقبال السفن والبواخر.
وتابعت وزارة الشؤون الاجتماعية تشجيعها للحركة التعاونية وعنايتها بشؤون العمل والعمال، فزادت من قدرة الاتحاد التعاوني المركزي على منح القروض للجمعيات التعاونية، التي أصبح عدد أعضائها خمسة وثلاثين ألفاً، تنتظمهم (588) جمعية لمختلف الأغراض التعاونية. كذلك فقد عقدت الوزارة اتفاقات جماعية عدة لتنظيم العلاقة ما بين صاحب العمل والعامل على أساسٍ من العدالة الاجتماعية، وأمدّت النقابات العمالية والجمعيات الخيرية بالمساعدات المالية في حدود الإمكانات. وافتتحت الوزارة داراً للأحداث في إربد، وبلغ عدد المنتفعين بالمساعدة المالية والعينية (235) ألف منتفع.
أما إذاعتنا التي أردناها منذ البداية منارة هداية وينبوع خير لبلدنا ولعالمنا العربي الكبير، فقد استمرت في خدمتها للمواطن العربي في الأردن وفي كل مكان على أسس تستمد قوتها من أصالة رسالتنا القومية الكبرى. وفي الوقت الذي تضع فيه الأرقامُ التي كشفت عنها الدراسات الدقيقة، إذاعتَنا في طليعة الإذاعات العربية، فإن العمل يجري الآن لتعزيز قوة البث بأجهزة جديدة تُضاعف طاقة البث الحالية لإبلاغ صوت بلدنا إلى أبعد الآفاق.
أما قواتنا المسلحة، فلقد كانت وستظل دوماً، تلاقي من العناية والدعم، كل ما يؤهله لها المستوى الرفيع الذي بلغته ووصلت إليه. وإذا كان ذلك المستوى قد استحقّ منا، ومن العالم أجمع، ما استحقّه من إعجاب وتقدير، فسيظل نصب العين، العمل على تحسين ذلك المستوى، والمضيّ به إلى أمام، حتى تتمكن قواتنا الأمينة من القيام بواجباتها المقدسة على الوجه الأكمل. وبمثل ما يسعدنا أن نقرر أن قواتنا المسلحة ليست إلا طليعة لقوات العروبة وجيوشها في كل مكان، يسعدنا كذلك أن نعرب عن اعتزازنا بالدور الذي تؤديه تلك القوات في معركة البناء الداخلي التي يخوضها بلدنا في كل مجال وكل ميدان. ويهمنا هنا أن نعلن أننا بالقدر الذي نجهد فيه لمضاعفة عدد قواتنا وتزويدها بالأسلحة الحديثة التي تكفل لها المزيد من المنعة والقوة، فإنّ الإجراءات تُتَّخَذ لضم التشكيلات المؤهلة من حرسنا الوطني إلى صفوف جيشنا العربي الباسل.
حضرات الأعيان،
حضرات النواب،
لمّا كانت أسرتنا الكبيرة جزءاً لا يتجزأ من أمتنا العربية، وكان الأردن قلبَ عالمنا العربي وعدّته لكل يوم مرتجى وغد مأمول، فإن سياسة حكومتي العربية ستظل ترتكز على الإيمان بحتمية الوحدة العربية وقدسيتها من دون أن تتأثر بما يعتور الصفَّ العربي من فرقة بين الحين والحين، ولا بما تتّشح به السماء العربية من سُحب وغيوم. إننا ونحن نؤمن أن الخير لأيّ بلد عربي هو الخير للعرب أجمعين، ونؤمن أن الشر والأذى يحلّان بأرض عربية هما أذى وشر يصيبان كل إنسان عربي في الصميم، لَننتهز هذه المناسبة، فنبعثها صادقة صريحة مؤمنة، تدعو إخوتنا للمّ شعثهم، وتوحيد كلمتهم، واتقاء حق الشعوب والأوطان في أعناقهم، والتبصُّر بالمصير المشترك للأمة العربية كلها.
ففلسطين التي هي حجر الزاوية للسياسة العامة لبلدنا، في ميادينها الداخلية والعربية والخارجية، لن تجني من الخلاف والنزاع غير المزيد من التيه والضياع، ولن يداوي جراحَها ويمسح عن وجهها هولَ الكارثة، إلا تضافر الجهود في صدق وأمانة، واتحاد الكلمة في محبة ووفاء، وحشد الطاقات والقدرات في مخطَّط موحَّد عملي مدروس.
ومهما يكن من أمر، فإن بلدنا الذي أعددناه لأسرتنا بقدر ما أعددنا لأمتنا، سيظل باسطاً كلتا يديه لأشقائه وإخوانه، فاتحاً قلبه لأبناء أمته، يبادل الحسنةَ بأحسن منها، ولا يقبل بالسيئة، لا لنفسه ولا لسواه.
أما في الميدان الخارجي، فستظل سياسة حكومتي تنادي بمصادقة مَن يصادقنا ويصادق أمتنا، ومعاداة مَن يعادينا ويعاديها. ونحن إذ ننصر الحق والعدل في كل مكان، لَنؤمن أن الأساس في العلاقات الدولية، هو الاحترام المتبادل بين الدول، والإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها، وبالخير المشترك لسائر بني الإنسان.
حضرات الأعيان،
حضرات النواب،
إننا ونحن نفتتح هذه الدورة لمجلسكم الموقر، لَنأمل أن تحققوا بما نعهده فيكم من تقدير صادق لمسؤولياتكم، وما نعرفه في حكومتنا من إخلاص في الجهد والعمل، كلَّ تعاون وتناسق وانسجام بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فبمثل ذلك التعاون، الذي يستكمل فعاليته من تجاوب أبناء أسرتنا وتضحياتهم وعزائمهم، يظل بلدنا واحة الأمن والاستقرار وعنوان التقدم والازدهار، ويظل كما أردناه أن يكون، عدّة أمتنا لبلوغ أهدافها، ووسيلتها لتحقيق رسالتها في الحرية والوحدة والحياة الأفضل.
والله نسأل، أن يوفّقنا إلى ما فيه خير بلدنا ومجد أمتنا، إنه سميع مجيب الدعاء.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.